ابن الجوزي
362
كتاب ذم الهوى
فوقع لي أن الرجل قد قطعت يده على حال من الأحوال قال : فجاءني يوم جمعة وقد جاءت السماء بالبركات ولم يجئني في ذلك اليوم أحد . قال : فطالبتني نفسي بمخاطبته ، ودافعتها مرارا كثيرة ، إلى أن غلب عليّ كلامه ، فكلّمته ، فقلت : يا فتى ، مالي أرى يدك تخبؤها ثم لا تخرجها ؟ فإن كان بها علّة دعونا اللّه تعالى لك بالعافية . فأخرجها فرأيت فيها شبيها بالشلل . فقلت : يا فتى ما أصاب يدك ؟ قال : حديثي طويل . قلت : ما سألتك إلا وأنا أحبّ أن أسمعه . فقال لي : أنا فلان بن فلان ، خلف لي أبي ثلاثين ألف دينار ، فقدمت بها ، فعلقت نفسي بجارية في القيان ، فأنفقت عليها جملة ، ثم أشاروا عليّ بشرائها ، فاشتريتها بستة آلاف دينار ، فلما حصلت عندي وملكتها قالت : لم اشتريتني ، وما في الأرض أبغض إليّ منك ، وإني لأرى نظري إليك عقوبة ، فاستردّ مالك ، فلا متعة لك بي مع بغضي لك . قال : فبذلت لها كلّ ما يبذله الناس ، فما ازدادت إلا غلوّا ، فهممت بردّها ، فقالت لي داية لي : دعها تموت ولا تموت أنت . قال : فاعتزلت في بيت ولم تأكل ولم تشرب إلا تبكي وتضرّع ، حتى ضعف الصوت وأحسسنا منها بالموت . وما مضى يوم إلا وأنا أمضي إليها وأبذل لها الرغائب ، وما ينفع ذلك ، ولا تزداد إلا بغضا . فلما كان اليوم الرابع أقبلت عليها وسألتها عما تشتهيه ، فاشتهت حريرة ، فحلفت لا يعملها أحد سواي ، فأوقدت النار ونصبت القدر ، وبقيت أمرس ما جعل فيها ، والنار تعمل ، وقد أقبلت عليّ تشكو ما مرّ بها من الآلام في هذه الأيام ، فأقبلت دايتي ، فقالت : يا سيدي ارفع يدك ، فرفعتها وقد انسمطت على ما تراها . قال أبو العباس : فصعقت صعقة وقلت : بآبائي ! هذا في هوى مخلوق أقبل عليك ، فنالك هذا كله ! ! . أخبرنا عمر بن ظفر ، قال : أنبأنا جعفر بن أحمد ، قال : أنبأنا عبد العزيز بن علي الأزجي ، قال : أنبأنا أبو الحسن بن جهضم ، قال : حدثنا علي بن محمد